الثلاثاء 4 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
وليد طوغان

معارك تفتيت الشرق الأوسط

ماذا فعلت أمريكا فى دول المنطقة؟!

 يعود اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط إلى بداية القرن العشرين، حيث اهتمت السياسة الأمريكية اهتمامًا كبيرًا به، وبخاصة فى أعقاب الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس بيكو، ونشاط الاستعمار البريطانى الفرنسى فى المنطقة العربية، وما تبعه من الحرب الباردة بين القوتين العظميين «أمريكا والاتحاد السوفيتى».  



بانتهاء الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفيتى، وتفرُّد الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة العالمية، بدأ الحديث الرئيس الإسرائيلى وقتها «شمعون بيريز»، عن ما سَمّاه بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وكانت البداية للتفكير فيما سُمى بعد ذلك بمشروع القرن الأمريكى. إثر ذلك، بدأت مراكز الأبحاث الأمريكية بتقديم الدراسات والخُطط لإطلاق المشروع الجديد، حتى إن وصلنا إلى سبتمبر (11سبتمبر 2001)، بات لزامًا على  الإدارة الأمريكية من وجهة نظرها إصلاح الأنظمة السياسية فى المنطقة العربية وتحديثها لما يتوافق مع الرؤية الأمريكية ويحمى مصالحها السياسية والأمنية. ومن هنا أطلقت الإدارة الأمريكية مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية من خلال ما قالت إنه تحديث للمجتمعات والأنظمة السياسية؛ ليدخل المخطط حيز التنفيذ بعد الحرب على أفغانستان والعراق. «رؤية أمريكية» كانت سياسة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، بداية القرن الحالى، هى محاولة الجمع بين الترويج للقيم وقواعد السلوك الأمريكية بين العرب، مع دعم إسرائيل. وفى ذلك أعلنت "كونداليزا رايس" مستشار الأمن القومى الأمريكى عام 2002، أن: "الولايات المتحدة تريد تحرير العالم الإسلامى ونشر الأسلوب الديمقراطى بين الدول، وتغيير الأنظمة السياسية العربية"، وكانت الخطوات الأولى فى عهد الرئيس بوش الابن بالإطاحة بنظام صدام حسين فى العراق، بزعم تحقيق الديمقراطية فى العراق!! واقعيا كان النموذج الأمريكى الذى خَلقه المؤسّسون الأوائل، والروح التوسعية للفكر السياسى الأمريكى الدافع الأساسى لمشروع الشرق الأوسط فى المنطقة، فكل الخطابات والتصريحات الأمريكية الرسمية، مثلت مَرجعًا فكريّا للسياسات الأمريكية المعاصرة، وأسقطت أنظمة سياسية بتلك الخلفية الفكرية والثقافية. واعتمدت السياسة الأمريكية دومًا فى التعامل مع قضايا الشرق الأوسط على عدة محاور رئيسية: الحد من نفوذ الاتحاد السوفيتى ، والسيطرة على نفط الخليج، وحماية أمن إسرائيل، وما اسمته "مكافحة الإرهاب"، خصوصًا بعد أحداث سبتمبر 2001. النفوذ السوفيتى كان لانهيار الاتحاد السوفيتى، أثرٌ بالغٌ عَصَفَ بكل الأنظمة التى كانت تسير فى ركابه،  وترتّب على الوضع الجديد سيادة مفاهيم وسياسات الولايات المتحدة، وأتاح انهيار الاتحاد السوفيتى للأمريكيين قدرة على الضغط أكثر والتأثير بشكل غير مسبوق فى المنطقة بأكملها، تزامَنَ ذلك مع الانتصار فى معركة تحرير الكويت. وبالطبع، احتل النفط جانبًا عظيمًا من اهتمام جميع الإدارات الأمريكية السابقة والحالية ولربما أيضًا القادمة، وتجلى ذلك فى الحرب على العراق عام 2003، فحسب مختصين وسياسيين أمريكيين لم يكن أبدًأ الهدف من دخول العراق بالقوة العسكرية من أجل تخليصها من نظام قمعى وديكتاتورى. ولم يكن بهدف الحرب على الإرهاب، بل كان الهدف هو تحقيق المصلحة الأمريكية المتعلقة بضرورة السيطرة على المنطقة النفطية وبالبدء فى تأسيس مشروع الشرق الأوسط الكبير من خلال تقسيم المنطقة. حسب المستشار الاقتصادى للرئيس بوش "لورنس ليندساى": "إن النفط هو الهدف الرئيسى لأى هجوم أمريكى على العراق، وأن التأثيرات السلبية والتكلفة الاقتصادية لأى عمل عسركى ضد العراق، ستكون بسيطة للغاية مقارنة بالمزايا الاقتصادية المرجوّة فى حال نجاح الحرب". قضى غزو العراق تمامًا على نظام الرئيس "صدام حسين" وجعل من العراق شبه دولة تعانى من عدم الاستقرار الداخلى والعنف الإقليمى والطائفى، ما ساعد بوجود أرض خصبة لظهور الجماعات الإرهابية والعنيفة مثل "داعش". وحسب سياسيين أمريكيين وغربيين، فإذا كان صدام حسين يشكل تهديدًا "مُزيفًا" لسلام وأمن الشرق الأوسط،؛ فإن الاحتلال الأمريكى للعراق وتغيير النظام فى العام 2003، لم يمكنهم من إزالة الخطر الذى يمثله على المنطقة بأكملها، بل على العكس تمامًا، أصبح أكثر توَحُشًا من ذى قبل. على مَرّ عقود، تبنت أمريكا سياسة ثابتة من خلال إداراتها المتعاقبة، التى تمثلت فى دعم وضمان أمن إسرائيل ماديّا ومعنويّا، وذلك من خلال دعمها لتحقيق تفوق إسرائيل العسكرى على الدول العربية، وتمكنها من امتلاك سلاح نووى فى المنطقة، بالإضافة إلى دعم تل أبيب فى المحافل الدولية ومنع صدور أى قرار ضدها من مجلس الأمن بسبب انتهاكها المستمر للقانون الدولى. وتُعتبر أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001، من أهم وأقوى الدوافع التى دفعت بأمريكا لصياغة وإطلاق مشروع الشرق الأوسط الكبير، فلقد بات مؤكدًا لدى الإدارة الأمريكية بأن العرب هم وراء هذه الأحداث، ومن هنا لم تعد تثق فى قدرة النظام العربى على حماية مصالحها، ولذلك كان لا بُدَّ من تغيير شامل وجذرى فى الأنظمة التى تعتقد "أمريكا" أنها كانت المسئولة عن إنتاج مَن قاموا بعملية سبتمبر. تأكد الساسة الأمريكيون أن الإرهاب هو القذيفة النارية التى ألقت بها الحكومات العربية فى وجه العالم الغربى، ولم تدرك الولايات المتحدة أبدا أنها هى التى صنعت كل جماعات الإرهاب ومولتها وسلحتها وتعاونت معها فى كل دول المنطقة!  واعتقدت واشنطن أن أنجح سلاح لمواجهة هذا الإرهاب، هو  رمى القذيفة نفسها مرّة أخرى وتحويلها إلى الشعب العربى، مع القيام بضغوطات من أجل تغيير الأوضاع، فمن وجهة النظر الأمريكية  أن إصلاح العالم العربى هو سلاح لمواجة الإرهاب. التبريرات الكبرى بصيغة الحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل. لكن الملاحظ، حسبما يقول مراقبون غربيون، أن ردود الأفعال الأمريكية بعد أحداث سبتمبر 2001، ساهمت فى الازدهار الإقليمى لإيران، ففى الوقت الذى قضت فيه أمريكا على نظام طالبان عام 2001 فى أفغانستان، إلّا أنها أطاحت  بصدام حسين الذى كان بمثابة حاجز ضد طموحات الهيمنة الإيرانية فى الجُوار العربى، والنتيجة كانت زيادة فى النفوذ الإيرانى إلى لبنان عبر العراق وسوريا فى إرهاب من نوع آخر فى المنطقة.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق