الأحد 19 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من أوبرا عايدة إلى تحيا مصر وغنا للوطن

الفنون على ضفاف القناة

المشهد الختامى لأوبرا عايدة
المشهد الختامى لأوبرا عايدة

"فى البدء كان الفن".. هذه هى الروح التى لازمت ولاتزال تلازم المصريين فى كل العصور منذ التاريخ الفرعونى حتى يومنا هذا،  فالمصرى- مثلًا- لا يكتفى بمجرد العمل ويصبح هذا العمل إجراءً رتيبًا ومملّا؛ بل يتحول العمل على يديه إلى فن ثم يتحول الفن إلى إبداع، ومن ثم أصبح الفن لصيقًا بكل نشاط مصرى من الزراعة إلى البناء والصناعة وغيرها من أنشطة الحياة عظمت هذه الأنشطة أو تواضعت.. فكل طرُق المصرى تؤدِّى إلى الفن والإبداع.



ارتبط تاريخ افتتاح وإنشاء قناة السويس البحرية بولادة الفنون الحديثة فى مصر؛ حيث تزامن الاحتفال بافتتاح القناة عام 1869م باحتفال الخديو إسماعيل بافتتاح دار الأوبرا الخديوية؛ وكانت المرّة الأولى التى تشهد فيها مصر تأسيس دار أوبرا خاصة بها؛ مما دفع الخديو إلى السعى لإلحاق فنون الأوبرا الغربية وإدخالها وربطها بالقاهرة؛ سرعان ما توجّه إلى تكليف الموسيقار الإيطالى جوزيبى فيردى لتأليف أوبرا تناسب الاحتفال بافتتاح القناة، وكانت "عايدة"، ولهذا الاتفاق قصة يرويها أحد رؤساء الأوبرا القدامَى، وهو صالح عبدون، آخر من تولى رئاسة الأوبرا الخديوية، الذى قام بتأليف وتحرير كتاب "صفحات فى تاريخ أوبرا القاهرة.. عايدة ومائة شمعة"؛ وثّقَ الكتابُ مراحل تأليف "عايدة" واحتفالات قناة السويس، وأجاب عن أسئلة: كيف ولماذا تم استبدال أوبرا "ريجوليتو" بـ "عايدة" أحد أعمال فيردى أيضًا؛ وكيف ومتى تم تقديم "عايدة" بالقاهرة فى أول عرض لها؟!

 

الموسيقار عمر خيرت يحيى حفلا ساهرًا بمناسبة افتتاح القناة الجديدة
الموسيقار عمر خيرت يحيى حفلا ساهرًا بمناسبة افتتاح القناة الجديدة

 

يحكى عبدون: "عدتُ إلى الأضابير كى أتابع عملية إقامة الدار من أولها ومنذ شرع الخديو فى بنائها؛ وإلى أىّ مدى ارتبط ذلك زمنيّا بقناة السويس وافتتاحها؛ ولقد كان من اليسير التأكد من أن القناة هى التى افتتحت فى اليوم السابع عشر من شهر نوفمبر، وامتدت الحفلات هناك أكثر من يوم واحد وفى أكثر من مكان واحد فى المنطقة نفسها، بعضها يقام فى مسرح مؤقت، وأخرى فى قاعة كبيرة تحقق الغرض نفسه كما نرى فى بعض اللوحات التى رسمها الفرنسى ريوو لتسجيل المناسبة الكبرى، والبعض أقيم فى إطار محدود كما نرى من الرسائل والبرقيات التى تبادلها "ديليسبس" مع "دراينت بك" مدير التياتيرات الخديوية لإيفاد بعض المشاهير من فنانى الأوبرا المشتركين فى الموسم؛ لإحياء حفل ساهر على ظهر يخت "المحروسة"، وسبقت كل ذلك وأعقبته حفلات أخرى وزيارات تعدت حدود المناسبة، وكلما نفضت الغبار عن الصفحات تكشّف لى الجديد من أخبار الدار، حتى وصلت إلى الحقيقة التى لم تسبقنى أو تسبق غيرى إليها وثيقة إنها بعض نماذج مطبوعة لبرامج العمل اليومى بالتياتيرات الخديوية، بعضها معنون باسْم دار الأوبرا أو المسرح الإيطالى، والبعض الآخر باسْم المسرح الكوميدى أو المسرح الفرنسى، وكان أقدم ما يتعلق منها بالمسرح الأول هو المؤرَّخ أول نوفمبر 1869م، وقد دونت به الفقرات التى قدمت فعلًا فى حفل افتتاح الدار طبقًا لما اتفق عليه المؤرخون غنائية "كانتتاتا" ثم أوبرا "ريجوليتو" وتأكدنا بذلك من الموعد الحقيقى لتلك المناسبة التاريخية".

الحرب السبعينية

 

ويواصل عبدون: "كان من المفترض تقديم "عايدة" فى افتتاح الأوبرا، لو لم يتأخر وصول الأزياء والمناظر المسرحية من فرنسا، بسبب حربها مع بروسيا/ألمانيا، ويكفى هنا أن نشير إلى أن تلك الحرب السبعينية إنما نشبت عام 1870م، فى حين أن الدار كانت قد افتتحت عام 1869م، والحقيقة حول ما قيل أو ما يقال هى أنه عند الاستعداد لافتتاح الدار طلبت السُّلطات المصرية من فيردى أن يلحن نشيدًا تقوم كلماته على فكرة مدح وتمجيد الخديو وحُكمه، ولكن فيردى اعتذر عن عدم إمكانه القيام بتلك المهمة؛ لأنه- كما قال- ليس من عادته أن يؤلف للمناسبات، وانتهى الأمر بأن قام غيره بذلك، وقدم فعلًا هذا المؤلف بعنوان "كانتاتا" فى برنامج افتتاح الدار، فرفع الستار عن تمثال نصفى للخديو فى وسط خشبة المسرح، وحول ثمانية من المنشدين يرمزون إلى العدل والرحمة والشهرة والتاريخ والزراعة والصناعة والتجارة والموسيقى، ثم تلا ذلك عرض أوبرا "ريجوليتو" التى تقوم على مسرحية "الملك يلهو" للشاعر الفرنسى الشهير فيكتور هوجو، وفى خطابين مُرسلين من المهندس أفوسكانى إلى درانيت بك فى يومى 8 و16 يونيو 1869م يتحدث عن غنائية "كانتاتا"، وهى عبارة عن نشيد يصلح للأداء فى مناسبتَى افتتاح قناة السويس وافتتاح الأوبرا، واقترح أولًا اختيار شعار "الأوفوكاتودى ماركى" لهذا الغرض، على أن يقوم بتلحينها الأمير الشاعر بونيا توسكى، ثم رأى بعد ذلك أن يقوم المايسترو ريتنى بعملية التلحين، ذاكرًا أنه متأكد من عدم موافقة فيردى على القيام بمثل هذا العمل. وفى عام 1906م يقول "ل.باليونى" فى كتابه "الإيطاليون فى مصر" إن أفوسكانى كان وراء تنفيذ نشيد الخديو الذى كان لايزال مستخدمًا عند نشر الكتاب، ويذكر أن كلماته وضعها الكونت بيلجيرى ولحنه المايسترو باتشينى وقام بأدائه لأول مرة الفنانون كوستا فنشترو يونانى باسكوالى بوتشو مارينيللى وآخرون، وقام بقيادة الأداء يوبا بك رئيس الموسيقات العسكرية المصرية".

 

فيردى
فيردى

 

حكاية عايدة

لم يكد ينتهى الموسم الأول الذى سجلت به دار الأوبرا بداية تاريخها حتى شاعت فكرة الاتجاه إلى تقديم عمل أوبرالى حديث فى الدار الجديدة ينتمى إليها ويرتبط بتاريخها؛ ويقوم على موضوع له علاقة بتاريخ مصر إبّان عظمتها، وكان عالم الآثار الفرنسى مارييت قد استجاب لرغبة الخديو، وكان من المقربين إليه؛ فبعث بالخطوط العامة لقصة تبنى عليها الرواية إلى مواطنه الشاعر الفرنسى كميل دى لوكل، الذى كان يعمل سكرتيرًا عامًّا لأوبرا باريس؛ وطلب منه عرضها على جونو الفرنسى أو فاجنر الألمانى إن رفض فيردى تلحينها، وكان ثلاثتهم من أبرز مشاهير العصر من مؤلفى الأوبرا فى ذلك الوقت، إلا أن لوكل نجح فى إقناع فيردى الذى يتميز بطبيعته القريبة من جَوّ القصة ومناخ البلاد التى جرت على أرضها أحداثها، باعتباره من بلاد البحر الأبيض المتوسط، لكن كان الإصرار على اختيار فيردى توجيهات خديوية.

قرأ فيردى القصة وكان لسحر التاريخ المصرى القديم أثره عليه، وتحمّس لمعرفة المزيد من التفاصيل المتعلقة بمختلف المواقف وتبادل فورًا الرسائل التى توضّح مدى اهتمام فيردى بالعمل الجديد، وتعود بنا إلى الظروف التى عاشتها تجربة إخراج عمل فنى كانت له شهرته بين المعالم البارزة فى تاريخ الفن الأوبرالى، وفى شهرة أوبرا القاهرة، ولعل أول تحرُّك إيجابى من جانب فيردى يسجل بداية الدراسة المبدئية التى خاض بها تجربته الجديدة، كان  حرّره عنها من مقرّه فى "سانتا أجانا" فى الثانى من يونيو عام 1870م إلى الشاعر الفرنسى كميل دى لوكل، الذى قال فيما بعد إنه راجع القصة مع فيردى فى إيطاليا وكتبها معه كلمة بكلمة. ويقول فى تلك الرسالة: "هأنذا فى موضوع مصر وقبل كل شىء لا بُدّ لى من الوقت الكافى لتأليف الأوبرا؛ لأن الأمر يتعلق بعمل يتطلب فرد الشراع إلى أقصى مداه، كما لو كنا فى الحانوت الكبير.. يقصد أوبرا باريس كما كان يسميها مديرها بيران؛ ولأن شاعرًا إيطاليّا لا بُدّ أن يعثر أولا على الأفكار التى يحشو بها أفواه شخصيات الرواية وينظم منها أشعاره، وعلى فرض إنجازى للمهمة فى الوقت المناسب فإن شروطى سوف تتضمن الآتى: التزامى بتكاليف إعداد النص على نفقتى؛ كما أرسل إلى القاهرة شخصًا للإعداد المسرحى وقيادة الأداء؛ أقدّم لمصر نسخة من كراسة التوزيع الأوركسترالى مع إعطائها حق مِلكية النص والموسيقى؛ بينما أحتفظ لنفسى بمِلكيتها بالنسبة لباقى الدول.. وقد أورد فيردى ضمن الشروط التزام مصر بدفع 150000 فرنك نظير هذه المهمة، وبعد أن أرسل فيردى خطابَه المتضمن لشروط التعاقد المقترح انقضت ثلاثة أسابيع تقريبًا، عاود خلالها قراءة القصة ودراستها قبل أن يرتبط نهائيّا بالمهمة، ثم حرّر إلى جوليو ابن الناشر الشهير تيتو ريكوردى فى الخامس والعشرين من شهر يونيو عام 1870م يقول: "بعد أسبوع تقريبًا كانت مهمة مارييت مع فيردى قد أنجزت باتفاق الطرفَيْن وتم تحرير العَقد فى باريس بتاريخ 29 يوليو 1870م بين مبعوث الخديو وفيردى؛ وكان كميل دى لوكل قد أرسل العَقد إلى فيردى فى مقر إقامته بسانتا أجاتا لتوقعيه، فأعاده إليه فى باريس موقعًا منه بعد أن أضاف فى أسفله ما يلي "يكون الدفع بالعملات الذهبية".

فيردى يتبرع لجنود فرنسا

"إن تعذر تقديم الأوبرا بالقاهرة خلال شهر يناير عام 1871م لأسباب لا تتعلق بى؛ فإنه يكون لى الحق فى تقديمها فى الخارج بعد فترة ستة أشهُر".. هكذا اشترط فيردى الذى أرفق بالعَقد إيصالًا باستلامه مبلغ خمسين ألف فرنك كدفعة أولى من مستحقاته بموجب الاتفاق؛ وطلب إلى كميل دى لوكل استلامها، وذكر فى الإيصال إن هذا المبلغ يمثل جزءًا من جملة مائة وخمسين ألف فرنك الواردة فى شروط العَقد مع مبعوث صاحب السمو نظير أوبرا عايدة.

وقد طلب فيردى من لوكل توجيه مبلغ ألفَى فرنك من المبلغ المنصرف لصالح الجنود الفرنسيين؛ حيث كانت الحرب بين فرنسا وبروسيا؛ من ناحية أخرى ومع استمرار الحرب خلال شهر يناير 1871م فقد أمر الخديو بتخصيص إيراد إحدى الحفلات بدار الأوبرا لصالح الجرحى من الطرفين مناصفة. 

"جعل الخديو من لحظة دخوله إلى مقصورته مشهدًا مسرحيّا، فلم يظهر حتى انتهى عزف المقدمة الموسيقية لأوبرا "عايدة"؛ ثم بدا للحاضرين فوقفوا إجلالا له؛ وهتفوا الأزياء والمناظر مذهلة بعض القطع المستعملة فى اللوحات الخلفية نماذج حقيقية من الآثار المصرية القديمة، التاج الذى كانت الأميرة المصرية إمنيريس تزين به رأسها صُنع من ذهب خالص وحُلى بفصوص مأخوذة من مخلفات الفراعنة فى صورتها الأصلية، خوذة القائد راداميس ودرعه من فضة صلبة، الكسوة التى تزين كرسى العرش من تلك النماذج المعروضة بمتحف اللوفر رداء الملك أزرق اللون عليه سترة من القطيفة البيضاء مرصعة بالذهب والجواهر.

اشتركت فى الأداء فرقة عسكرية من الجيش المصرى، احتشد على خشبة المسرح ثلاثمائة شخص فى مشهد مسيرة النصر، كان التشغيل الآلى عند تغيير بعض المَشاهد فى الفصل الرابع لايزال عسيرًا، مما أدى إلى أن يبدو السرداب مظلمًا تمامًا فى حين كان المَعبد فى أعلاه مباشرة مضيئًا لامعًا، ومع أن فيردى كان يساوره القلق مما سوف يكون لهذا الإطار الأثيرى ما أثر على موقف الغناء الثنائى الأخير فإن الأمر لم يكن يستدعى هذا القلق؛ لأن النتيجة لاقت كل القبول.

كورال أطفال مصر خلال الاحتفال بافتتاح قناة السويس الجديدة أغسطس 2015
كورال أطفال مصر خلال الاحتفال بافتتاح قناة السويس الجديدة أغسطس 2015

 

أوبريت القناة الجديدة

كان طبيعيّا أن يتم تمصير أوبرا "عايدة" فأصبحت تقدّم اليوم وعلى مدار سنوات سابقة بأيدٍ مصرية خالصة، قدّم النسخة المصرية الأولى منها المخرج الراحل عبدالمنعم كامل، ثم أعيد مؤخرًا تقديم وإنتاج جديد ضخم منها إخراج هشام الطلى.

 استعادت مصر عند افتتاح القناة الجديدة فى أغسطس 2015 أجواء الاحتفالات الأسطورية كما حدث فى افتتاح القناة عام 1869م.

اسطورية الحفل جاءت هذه المرة ليس فقط من حضور ملوك ورؤساء وكبار الشخصيات الدولية مثل ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان نيابة عن الملك سلمان، والملك عبدالله الثاني ملك الأردن، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والرئيس الفرنسي السابق فرانسو أولاند وغيرهم من المشاهير والشخصيات العالمية.

في ظهيرة يوم الاحتفال بمجرد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي مستقلا يخت المحروسة استعدادا للاحتفال، بصحبة الفريق مهاب مميش رئيس قناة السويس-وقتها-، وجاور السيسى الطفل الصغير عمر صلاح المريض بالسرطان، مرتديا ملابس الجيش، حاملا علم مصر، في هذه اللحظة ظهرت مجموعة من الرجال مرتدين زيا فرعونيا على ضفاف القناة، يعزفون بعض المقطوعات الموسيقية في أثناء مرور يخت المحروسة، حاملين علم مصر مع الآلة الموسيقية، ورفرفت أعلام كل الدول المشاركة في الاحتفال. 

في الفترة المسائية، قدم المبدع الكبير عمر خيرت عدة مقطوعات موسيقية مميزة منها “افتتاحية مصرية” و “مصر يا أطهر قلب”، أشعار علية الجعار، و“زى ما هى حبها” أشعار مدحت العدل، و”أنت مصري” أشعار جمال بخيت، و”فيها حاجة حلوة” أشعار أيمن بهجت قمر و”العاصفة”، كان من بين برنامج الحفل المسائي عروض لفرق رضا والقومية للفنون الشعبية، كما غنى الثلاثى أحمد جمال وكارمن سليمان ومحمد شاهين "أوبريت أجيال" 

وتضمن الحفل عرض "غنا للوطن" إخراج خالد جلال وبمشاركة نجوم الغناء والطرب، منهم نادية مصطفى وإيهاب توفيق وشيرين عبدالوهاب وحكيم وأنغام، كما تضمّنت فقرات الحفل أوبريتً بعنوان "تحيا مصر" كان أبطاله من أطفال مصر، تدريب وألحان عمرو مصطفى، وكلمات تامر حسين وتوزيع احمد الموجي ، ثم قدّم مساء عزف منفرد للموسيقار عمر خيرت؛ ومَشهد النصر من أوبرا "عايدة"، وأخرج هذا الحفل المخرج عبدالله سعد.  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق