الأربعاء 27 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

كتابات حول المعركة

ملحمة 10 رمضان بعيون المقاتلين

الجنود المصريون يحتفلون بالنصر
الجنود المصريون يحتفلون بالنصر

تناولتْ العديدُ من الكتابات بطولات جنودنا البواسل الذين صنعوا ملاحم البطولة فى حرب العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر عام 1973، ورصدت هذه الكتابات عبقرية المقاتل المصرى التى تُعَد سرّ النصر بَيْدَ أن كتابات المحاربين أنفسهم التى سجلوها فى أدبيات تفيض بالمشاعر الوطنية، وبعظمَة التجربة، وخبراتها قد سطّرت لنا على نحو رائع هذه البطولات التى صنعوها وأبرزت نماذج إنسانية فذة امتزجت روحها بحُب الأرض والإخلاص للوطن..



 

ومن هذه الكتابات ما سجله لواء د.نصر محمد سالم فى كتابه «180 يومًا خلف خطوط العدو»، وما كتبه لواء عبدالجابر أحمد على فى كتابه «أكلة الدبابات»، وما سجله العميد عادل يسرى فى كتابه «رحلة الساق المُعَلقة»، وهم جميعًا من أبطال حرب أكتوبر 1973.

 

180 يومًا خلف خطوط العدو
180 يومًا خلف خطوط العدو

 

أكلة الدبابات

يهدى اللواء عبدالجابر أحمد على كتابه "أكلة الدبابات" لشهداء معركة التحرير، معركة أكتوبر الخالدة فيقول: «إلى كل جندى سالت دماؤه الطاهرة على رمال سيناء الغالية أو الجولان وهو يناضل من أجل الحق والحرية، إلى شهداء قواتنا المسلحة وإلى كل جندى عربى اشترك وأسهَمَ واستشهد فى تحرير الأرض الطاهرة، وإلى شهداء الوحدة التى كنت أقودها: جعفر بيومى، وصبحى يعقوب «الصديقيْن العزيزيْن»، وعبده عمر الذى استشهد، وهو ينادى أغلى اسم فى الوجود صائحًا: «تحيا مصر»، فألهب المشاعر، إلى حامد عيد، وأنور عياد.. والذين سطَّروا لنا أمجادًا خالدة ستظل أبد الدهر بعد أن أذاقوا العدو المُرَّ والهوان»..

 

لقد كان الاستعداد، والتدريب وبراعة استخدام الأسلحة، واستيعاب منجزات العلم الحديث والتكنولوجيا المتقدمة من أسرار ومفاجآت حرب أكتوبر كما يقول لواء عبدالجابر أحمد فى كتابه فيقول: «لقد اعتقد الجميع أن السلاح المضاد للدبابات الذى استخدمه المصريون سلاح سرّى؛  حيث إنه كان مفاجأة المعركة، ولم يدرك العدو أن السلاح الذى استخدم ضد دباباته لم يكن سرّا أبدًا، وأن إسرائيل كانت تمتلك أنواعًا كثيرة من هذا النوع من الترسانة الغربية أكثر تطورًا ولم يدخل الخدمة بعد مثل الصاروخ «تو» المضاد للدبابات، ولكن السّرّ كان يكمن فى كيفية الاستخدام، كان هذا هو السّر الرهيب فى استخدام صاروخ «مالوتكا» أو «الفهد» بعد الاستعداد الجيد عليه هو الذى كان مفاجأة المعركة التى أذهلت العالم كله، لقد كان السّر فى الفرد نفسه، ونوعية المقاتل المصرى الذى أثبت أنه من أمهر المقاتلين فى العالم، فلقد حدث فى مرات كثيرة أن قامت وحدات الصواريخ المضادة للدبابات التى يمتلكها العدو بتوجيه صواريخها نحو دباباتنا ولم تنل منها شيئًا، وفى الوقت نفسه قام أحد أبطالنا بتوجيه صاروخ إلى تلك المَركبة التى أطلقت الصواريخ وفى الحال أصبحت حطامًا.

 

كتاب آكلة الدبابات
كتاب آكلة الدبابات

 

قانصو الدبابات

يصف العميد عادل يسرى فى كتابه «رحلة الساق المعلقة»، وهو أحد أبطال هذه الحرب، جولته وملاحظاته على ميدان المعركة بالنسبة لهذا السلاح احتياطى اللواء المضاد للدبابات فيقول: «أثناء عودتى أمُرّ على الأبطال، وقبل وصولى إلى مركز ملاحظتى أمُر على الاحتياطى المضاد للدبابات، احتياطى مترجّل يضم أسلحة المشاه القصيرة المدى ويضم بيومى وعبدالعاطى- صائد الدبابات- جالسين فى استرخاء وأعصاب هادئة كالصياد الذى ينتظر رزقه فى صبر، ولا ييأس من رحمة الله.

 

ترددت أسماء أخرى من أبطالنا بجوار صائد الدبابات فتردد اسم عوض الدغيدى، وبيومى، وأبو الفتوح، وبكر العادلى، وجنود مجهولين آخرين تعبوا وأخلصوا فى تدريبهم فكانت هذه النتيجة الهائلة، هؤلاء القادة والمعلمون الذين أخلصوا فى تدريبهم حتى أصبحوا الدرع الواقية التى تصد كل عدو متغطرس، ولقد تحطم على أيدى هؤلاء الأبطال الموجات المتتالية من دبابات العدو.

 

أمّا اللواء د.نصر محمد سالم فيصف فى كتابه «180 يومًا خلف خطوط العدو» هذه الاستعدادات الرائعة للمعركة التى تُعَد من أسرار النصر، فيقول: «لقد درسنا كل شبر فى سيناء حتى حفظناها عن ظهر قلب، كم قضينا من ساعات وأيام ونحن نصنع نماذج مجسّمة للجبال والسهول وطبيعة الأرض فى كل قطاع من قطاعات سيناء، وتم التدريب على فنون الملاحة البرية فى الأنواع المختلفة من الأراضى باستخدام الطرُق الفنية، وكذلك المهارة فى الميدان أثناء الحركة والاختفاء ومواجهة العدو، والكثير من طرُق الحصول على المعلومات وكيفية إرسالها بالوسائل الفنية والأجهزة اللا سلكية مع الحرص الكامل على تجنب قدرات العدو فى اكتشاف الاتصالات اللا سلكية والتعرض لها بالتشويش أو التنصُّت.

 

وفى مجال الإعداد البدنى فيكفى معرفة أن المستوى الذى يجب ألا يقل عنه الفرد الذى يعمل خلف خطوط العدو، هو المسير لمسافة خمسين كيلو مترًا عبر الأراضى الصحراوية أو الجبلية أو الزراعية، وهو يحمل فوق كتفيه شَدّة القتال التى لا تقل عن خمسين كيلو جرامًا من مُهمات وأسلحة ومعدات وذخيرة وطعام ومياه..

 

 أمّا فى مجال الجلَّد وقوة التحمل والضغط النفسى فيقول اللواء د.نصر محمد «لقد كان ما لاقيناه من تدريبات يفوق طاقة البشر، من الاستمرار فى العمل دون مياه أو طعام لعدة أيام تحت ضغوط غير متوقعة، منها على سبيل المثال وليس الحصر: الانتقال بالهليكوبتر لمكان ما فى الصحراء ونحن نحمل معنا من الطعام والماء ما يكفى ليومين فقط، ولا يُصرَّح لنا إلّا باستخدام الطعام «750 جرامًا»، والمياه «واحد لتر» المخصص ليوم واحد فقط مَهما كانت الظروف ولا يستخدم طعام ومياه اليوم الثانى إلا بتصريح من القيادة».

 

كان تدفق المعلومات عن العدو فى سيناء- كما يوضح المؤلف- من عناصر الاستطلاع التى لم تغادر أماكنها، واستمرت فى استطلاع العدو ومتابعته كان شعاع الضوء الذى ظهر أمام القيادة وسط ظلام النكسة وعتمتها، وكان القرار هو إبقاء هذه العناصر واستمرارها فى مراقبة العدو ومتابعته، وتوالى دفع المجموعات الجديدة أيضًا إلى عمق سيناء وسَحب المجموعات القديمة، ومع الوقت ازدادت قدرة هذه العناصر وكفاءتها على البقاء والاستمرار فى العمل خلف خطوط العدو من شهر إلى شهريْن إلى ثلاثة فستة أشهُر حتى إنه لم يَعد هناك جبل فى سيناء إلا ولنا فوقه مجموعة استطلاع، وأصبحت سيناء بطولها وعرضها كتابًا مفتوحًا أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، تخطط كيف تشاء، وتبدأ الحرب بمعلومات غاية فى الدقة، وهذا ما ظهرت نتائجه فى تنفيذ ضرباتنا الجوية بأكثر من مائتى طائرة وتنفيذ التمهيد النيرانى بأكثر من ألفَى مدفع على طول القناة، أفقد العدو توازنه بقوة الضربات التى تلقاها من قواتنا العابرة للقناة مقتحمة أعظم مانع طبيعى وصناعى فى التاريخ «خط بارليف».

 

ويصف لواء د.نصر إحدى مهامه القتالية فيقول: «فى أحد الأيام طلبت منّى القيادة الحصول على أحدث المعلومات عن العدو فى منطقة تبعد عن منطقتنا بأكثر من خمسين كيلو مترًا شرقًا، وبعد دراسة الموقف على الخريطة وجدت أن هذه المنطقة المطلوب استطلاعها يلزم الوصول إليها التحرك لمسافة أربعين كيلو مترًا فى أرض مفتوحة تمامًا، أى مكشوفة...".. وهنا يبرز اللواء نصر محمد بطولات مدنية أخرى مثل الشيخ سليم وهو من قبيلة «الإحيوات» من أكبر قبائل سيناء وأكثر وطنية وإخلاصًا لمصر وحُبّا لجيشها وتعاونًا معه، والذى وضع خبرته بالطرُق والجبال أمام أبطالنا البواسل، وكذلك أخوه الأصغر «سعد» الذى صاحَب اللواء نصر فى رحلته لاكتشاف المنطقة بعد ساعات مضنية من ركوب الجَمل تارة، والركض خلفه تارة.

 

وكان «سعد» على درجة من المهارة والدقة التى أوصلتهما إلى داخل الجبل فى واد تحوطه القمم العالية وتقدما وصعدا السلسلة الصخرية؛ حيث تسنّى للواء نصر رؤية معسكر العدو وحصر جميع المعلومات عن الموقف وإبلاغها قبل وصول العدو فأحصى عدد الدبابات والمعدات والأفراد فى المعسكر من الوضع جالسًا فوق الصخرة، وأبلغ المعلومات كاملة للقيادة بجهاز اللا سلكى رُغم أنه فى مرمَى رؤية جنود العدو ولم يكن ليستغرق صعودهم إليه إلا نحو عشرين دقيقة وخمس عشرة ثانية.

 

لكن الله نجّاه، ولم يره أحد من الأعداء..

 

 ويصف المؤلف هذه اللحظات فيقول: «فوق هذه السلسلة الصخرية الجرانيتية من أعلى جبل فى سيناء الوسطى، جلست بكل الرضا بعد أن أبلغت جميع المعلومات الخاصة بالعدو الموجود فى المعسكر، وكان عبارة عن لواء مدرع، وعرف أنه تقريبًا متوغل داخل المعسكر لمسافة لا تقل عن خمسمائة متر، وقد يقومون بالنداء علىَّ وطلب الاستسلام لهم قبل أن يطلقوا علىَّ نيرانهم وأنا حتمًا لن أستسلم لهم ولن أقبل الأسْر، إن معى ثلاثين طلقة من الذخيرة أستطيع الاشتباك بها حتى تنفد، ولكن ماذا أفعل لو نفدت ذخيرتى قبل أن يتمكن أحدهم من إصابتى، ونيلى شرف الشهادة.. إن استشهادى فى هذا المكان الرائع الجمال لأمر يبعث على البهجة، اللهم اكتبها لى ولا تحرمنيها». لكنه نجا، ولم يره أحد، وطلب من «سعد» أن يعود بالجَمل إلى بيته قبل شروق الشمس، وظل اللواء مع باقى المجموعة التى استقبلتهما بفرحة أنستهما عناء الرحلة، وكاد العدو أن يتحرك تجاه الفرقة إلا أن اللواء نصر محمد قد رأى أنهم مجرد سرية مشاة ميكانيكية من قوات العدو كانت تتدرب على الرماية التكتيكية «الجافة» دون ذخيرة، وسوف تستكمل الرماية بالذخيرة الحية فى اليوم التالى، فغادر أبطالنا إلى جبل أكثر أمنًا، فانتقلوا إلى جبل أكبر حجمًا ومساحة وأكثر ارتفاعًا، وكان الجبل هو «جبل الحيطان» الذى حمى ظهور الأبطال، إضافة إلى الشجيرات الكثيرة التى تغطى أرضه فتعطى الإحساس بأنهم فى أحد الحقول، لقد كانت الجبال أيضًا، جبال سيناء التى عرفها جنودنا، هى أيضًا تشهد على البطولات الرائعة لجنودنا البواسل.. سيناء التى درسها المقاتلون فعرفوا كل شبر فيها حتى حفظوها عن ظهر قلب، والتى تحررت بفضل قوة سواعد أبناء مصر، وجنودنا البواسل، خير أجناد الأرض.

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق