الأربعاء 27 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

لكل ولى كرامة؟!

 تباعدت مواقف الفِرق الإسلامية من الكرامات، فمنهم من آمن بها ومنهم من أنكرها، وتدل المناقشات التى دارت حيالها على ما احتلته من منـزلة فى الفكر الإسلامى. 



ويجب أن أنوّه إلى أن موقف المذاهب والفِرق الإسلامية من الكرامات باب يطول، إلا أننى وددتُ أن أستشهد ببعض المواقف بغية إلقاء الضوء على ما أثارته الكرامات من جدل فى الفكر الإسلامى حيالها.

 

من جانب آخر، فإن هذه الآراء واختلافها توضح لنا استمرارية الظاهرة عقب العصور والأجيال. كما أنه من نافلة القول أن التقسيم التالى تقسيم شكلى، فالفيلسوف قد يكون معتزليًّا وفقيهًا فى آن واحد، إلا أننى اضطررت لهذا لتشعب الفِرق والمذاهب. 

هنا وهناك

 ينكر المعتزلة وجود الكرامات ويسوقون حُجة ضدها وهى حجة الزمخشرى فى تفسيره للآية (عَالِـمُ الغيبِ فلا يُظهر على غيبه أحدًا؛ إلا مَن ارتضَى مِن رسولٍ فإنّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيِن يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) التى يفسرها بقوله “لا يطلع على الغيب إلا المُرضى الذى هو مصطفى للنبوة خاصة لا كل مُرتضى، وفى هذا إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برُسُل، وقد خص الله الرُسُلَ بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وإبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابها أبعد شىء من الإرضاء وأدخله فى السخط” وأنها تؤيد حدوث أى معجزة يحدثها الله على يد رُسله لكى يُظهر حقيقة رسالتهم ولكنها فى الوقت نفسه تنكر حدوث أى ظواهر غير طبيعية على يد غير الرسل.  

ولقد أسهم مفكّرو المعتزلة فى إيجاد مناقشة عقلانية حول الكرامات، وحاول كل فريق شحذ فكره ودلائله، مما أوجد حوارًا نرى أثره الفكرى فى كتب المفسرين الأوائل.

لكن موقف المعتزلة ضد الكرامات لم يكن من منطلق عقلانى، بل كان من منطلق عقائدى أساسه المعجزات. 

كذلك فقد كان الزمخشرى متأرجحًا فى آرائه تجاه الكرامات، فهو ينكر نوعًا منها ثم يؤمن بها فى مواضع أخرى، فقد فسر قوله تعالى (قالَ الذى عنده عِلمٌ من الكتابِ أنا آتيك بهِ قبل أن يرتدَّ إليكَ طرفك...)، بقوله: (الذى عنده عِلم من الكتاب رجل كان عنده اسم الله الأعظم، وقيل هو آصف بن برخيا كاتب سليمان عليه السلام وكان صدّيقًا عالمًا)، فهذا الرجل كان قادرًا على أن يأتى بعَرْش بِلقيس فى أقل من طرفة عين؛ فكيف يُستدل من أقواله على أنه ضد الكرامات ويبنى المعتزلة آراءهم ضدها من خلاله. 

ويتفق الأشاعرة مع المعتزلة فى رأيهم القاطع تجاه الكرامات، إلا أنهم يعترفون بها لإمكانية حدوثها العقلانى، فمثلما يكرم الله الأنبياء بالمعجزات التى تحدث على أيديهم، قالوا إنه من “الجائز” أن يكرم الله أولياءه بالكرامات، إلا أنهم رأوا ألا توضع مع المعجزات فى القالب نفسه. 

فالمعجزة تتطلب الإعلان عنها والتحدى؛ أمّا الكرامة فتحدث بالسر ولا تحمل فى طياتها التحدى. 

وأبابكر الأشعرى نفسه يذكر أن: “المعجزات تختص بالأنبياء والكرامات تكون للأولياء”، أى أنه يؤمن بها وجودًا وأنها تكون على يد الأولياء. 

الفلاسفة

تباينت آراء الفلاسفة حيال الكرامات، فابن سينا: يرى أن الكرامات والمعجزات داخلة فى مجال القضاء والقدر «الضرورى حدوثه الذى يحدث فى محيط علم الله وإرادته، والفرق بين الرسول والولى هو أن الرسول يولد بطبيعة مغايرة، أمّا الولى فيكتسب الخصائص من خلال طريق التصوف والزهد وهو أقل درجة من الرُّسُل»، ولا ينكر ابن سينا وجود الكرامات ولكنه يحذر الناس الضعفاء منها، ويتحدث ابن سينا عما سمّاه بالكشف. 

أما ابن رشد، فإنه فى كتابه (تهافت التهافت) يقول لا يمكن أن تحدث معجزة إلا عند وجود “استحالة” ـ والاستحالة الممكنة تعرف بأنها تغيير صفة الشىء وليس جوهره أو مادته ـ ولكن الشىء يكون مستحيلا بالنسبة للإنسان أمّا حدوثه نفسه فليس مستحيلا. 

ويذهب ابن خلدون إلى إثبات الكرامات للأولياء فيقول: “وأمّا الكلام فى كرامات القوم وإخبارهم بالمغيبات، وتصرفهم فى الكائنات فأمر صحيح غير منكر؛ وإن مال بعض العلماء إلى إنكارها فليس ذلك من الحق؛ وما احتج به الأستاذ أبوإسحاق الإسفرايينى ـ من أئمة الأشعرية ـ على إنكارها لالتباسها بالمعجزة. 

وقال المستشرق جارديت أنه “ليس هناك شك عند كل الفلاسفة فى أن المعجزات أو الكرامات هى كرم يكرم بها الله المفضلين من عباده وهى أكمل درجة من الممكن أن يتوصل إليها الإنسان». 

والعقل؟! 

منذ وقت طويل توقف الفقهاء حيال الكرامات، فقد ذُكر أن أحمد بن حنبل (780-855) وقد قيل له “يا أبا عبدالله إن الصحابة لم يرو عنهم من الكرامات مثل ما قد روى عن الأولياء الصالحين، فكيف هذا؟ فقال: أولئك كان إيمانهم قويّا فما احتاجوا إلى زيادة شىء يقوون به، وغيرهم كان إيمانهم ضعيفًا لم يبلغ إيمان أولئك فقووا بإظهار الكرامات لهم”. 

وقد ذكر ابن كثير، وهو فقيه شافعى، فى كتابه “البداية والنهاية” فصلًا عن الكرامات تحت مسمى “حديث فيه كرامة لولى من هذه الأمة وهى معدودة من المعجزات، لأن كل ما يثبت لولى فهو معجزة لنبيه”. وأوضح القرطبى بصريح العبارة “أن كرامات الأولياء ثابتة على ما دلت عليه الأخبار الثابتة والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شروطها الاستتار والمعجزة من شروطها الإظهار». 

ويذهب ابن تيمية إلى حدوث الكرامات من الأولياء حتى بعد وفاتهم، ففى باب “عبادة القبور” يذكر “ولا يدخل فى هذا الباب ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التى توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقّى الشياطين لها، وشفاعة بعضهم فى جيرانه من الموتَى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب على من استهان بها وما فى قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عن الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخَلق». 

وقال تلميذ القاضى أبوبكر أحد أئمة المالكية: ذهب الصوفية إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارة النفس وتزكية القلب وقطع العلائق بالكلية علمًا وعملًا مستمرًا، كُشف له الغيب، ورأى الملائكة وسمع أقوالهم واطلع على أرواح الأنبياء وسمع كلامهم». 

ويحذر ابن الجوزى فى تلبيس إبليس فيقول: “وقد لبس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات فى كرامات الأولياء ليشيدوا بزعمهم أمر القوم والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل فكشف الله أمرهم بعلماء النقل”. 

 ويمضى قائلا: “وقد اندس فى الصوفية أقوام وتشبهوا بهم وشطحوا فى الكرامات وادعائها وأظهروا للعوام مخاريق صادوا بها قلوبهم».  

ويرى أبوتراب أنه “من لا يؤمن بالكرامات فقد كفر”. 

ويحاول السبكى تخفيف هذا الحُكم فيقول “بالغ فى الحط من منكريها، وقد تؤول لفظة الكفر فى كلامه، وتحمل على أنه لم يعن الكفر عن الملة، ولكنه كفرٌ دون كفر”، ويمضى مردفًا: “وإنى لأعجب أشد العجب من منكرها وأخشى عليه مقت الله». 

كما خاض الإمام محمد عبده حربًا ضروسًا ضد الدُّوسة التى كانت شائعة فى بعض الطرُق الصوفية التى كانت تهدف إلى إظهار كرامات شيخ الطريقة “عندما يسير فى موكب مهيب راكبًا على صهوة جواده ويمر فوق ظهور أتباعه الراقدين على أرض الطريق فلا يشعرون بألم على حد زعمهم”. 

الحلاج مثال؟!

 يؤمن معظم المتصوفين بالكرامات ويفصلون المعجزات عن الكرامات فصلًا تامًا، ويرى بعضهم سريتها ويحذرون من إعلانها ويسوقون على ذلك مثال الحلاج وإفشاء الكرامات. 

والصوفيون الحقيقيون لا يبحثون عن الكرامة بل يقلقون لوجودها لأنها قد تكون حاجزًا بينهم وبين الوصول إلى الله؛ ولذا فإن أحمد الرفاعى يقول: “لا ترغب للكرامات وخوارق العادات فإن الأولياء يستترون من الكرامات كما تستتر المرأة من الحيض”. 

ويطلق الترمذى على الكرامات مصطلح الآيات ويعدها شرطًا من شروط الولاية: “قال له القائل: فما علامة الأولياء فى الظاهر؟ قال: أوّلها ما روى عن رسول الله حيث قيل له: مَن أولياء الله؟ 

قال: الذين إذا رُؤُوا ذَكّروا الله، وما روُى عن موسى عليه السلام أنه قال: يا رب مَن أولياؤك؟ ثم قال: الذين إذا ذُكرتُ ذُكروا، وإذا ذُكروا ذُكرت، والثانية أن لهم سلطان الحق، لا يقاومهم أحد حتى يقهره سلطان حقه، والثالثة أن لهم الفراسة، والرابعة أن لهم الإلهام، والخامسة أن من ناوأهم صُرع وعوقب بسوء العاقبة، والسادسة اتفاق الألسنة بالثناء عليهم إلا من ابتلى بحسدهم، والسابعة استجابة الدعوة وظهور الآيات مثل طى الأرض والمشى على الماء، ومحادثة الخضر». 

سئل الجنيد عن العارف فقال: “من نطق عن سرّك وأنت ساكت”.

وربما ودّ الجنيد هنا أن يحدد أن الكرامة شرط من شروط الولي. 

وقد حدد أبويزيد البسطامى شروط قبول الكرامة باتفاق ظواهر أصحابها مع الشرع فقال: “لو نظرتم إلى رجل أُعطى من الكرامات حتى تربّع فى الهواء فلا تغترّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة». 

وقد عقد السبكى فصلًا كاملًا عن الكرامات فى كتابه “طبقات الشافعية الكبرى” دافع فيه عن الكرامات دفاعًا مدويّا وقال: “إنى لأعجب أشد العجب من منكرها وأخشى عليه مقت الله، إن الكرامات حق”. 

وناقش القَدَرية فيما ذهبوا إليه وانتهى إلى أن “جميع ما ذكروه فى هذه الشبهة تمويه ولا حاصل تحته وقعقعة لا طائل فيها». 

وتحتل الكرامات حيزًا كبيرًا فى سلوك ابن عربى وفى مؤلفاته أيضًا إذ يناقش هذه القضية فى عدة مواضع منها قوله: “وليس فى قضية العقل ببعيد أن يكرم الله وليّا من أوليائه بهذه الكرامة ويجريها على يديه فإن كل كرامة ينالها الولى وتظهر على يديه فإن شرفها راجع إلى النبى عليه السلام فإن باتباعه ووقوفه عند حدوده صح له هذا الأمر”، والمناقشة هنا يعقلنها ابن عربى فى محاولة للإقناع.  ويقول ابن عربى فى موضع آخر عن الأولياء: “وأن يكرمهم بكرامات فى ظاهر الكون ولكن ليست عند القوم بشرط لازم ووقوع واجب”، أى ليست شرطًا من شروط الولاية. 

وقد دافع الإمام الكلاباذى عن الكرامات وذكر أن الصوفيين قد: “أجمعوا على إثبات كرامة الأولياء وإن كانت تدخل فى باب المعجزات، كالمشى على الماء وكلام البهائم وطى الأرض وظهور الشىء فى غير موضعه، وقد جاءت الأخبار بها وصحت الروايات. 

ثم قال: “وأمّا الأولياء فإنهم إذا ظهر لهم من كرامات الله شىء ازدادوا لله تذللًا وخشوعًا وخشيةً واستكانة”.

وقال: “الذى للأنبياء معجزات، وللأولياء كرامات، وللأعداء مخادعات. وقال بعضهم: “إن كرامات الأولياء تجرى عليهم من حيث لا يعلمون، والأنبياء تكون لهم المعجزات وهم بها عالمون”.

وعلى هذا فإن الكلاباذى لا يرى بأسًا فى تشابه الكرامة والمعجزة ولذا فلا تُحدّ الكرامة لديه. 

ويؤمن بعض الأولياء بعدم إظهار الكرامة لكن بعضًا منهم يرى العكس فهم مأمورون بإظهارها.

فقال أبو العباس المرسى: “والله ما جلست حتى جعلت جميع الكرامات تحت سجادتى”. وفى هذا تصريح بمنزلته وقدرته على إحداث جميع أنواع الكرامات، وتمكّنه منها، ويرى جابر الجازولى أن “كل كرامة لا يشملها الرضا عن الله ومن الله فصاحبها مُستدرج مغرور أو ناقص أو هالك أو مثبور».  

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق